التكوين الأندراغوجي بين مهام
المكون وخصائص المستفيد
إعداد ذ. ليلى سليب تحت إشراف ذ. أحمد الجبلي
توطئة
إن محو الأمية وتعليم الكبار علم قائم بذاته، وهو يروم تعليم الكبار وإدماجهم في المجتمع بحيث يصيرون عبارة عن طاقات بشرية فاعلة أكثر، ومساهمة من موقعها في ازدهار البلد وتقدمه.
وبما أن أي علم إلا وله آلياته التي تتناغم مع مناهج تدريسه وتلقينه.. وإذا كان تعليم الصغار يعتمد على محددات رئيسة ومدخلات تراعي خصوصية الطفل الذي يعتبر في أحسن الحالات صفحة شبه بيضاء، حتى لا نلغي شخصيته التي يؤسس 90 في المائة منها قبل سنواته الست الأولى، مما يبرر عدم التعامل معه بالأسلوب البنكي لكونه ليس مجرد وعاء نصب فيه معلومات، أو أن صياغته تتم بنفس الطريقة التي بها يصوغ الصائغ الخاتم الجميل. بل هو كذلك له رأي وعقل ويستطيع التمييز بين الشيء وغيره وله قدرة على التفاعل عندما يحسن تفتيق مواهبه واستنطاق طاقاته لتتفجر وتكون لبنات أولى نحو النضج والفاعلية وبالتالي المواكبة الفاعلة للعملية التعلمية.
فإن الأندراغوجيا، كعلم يروم تعليم الكبار، هي الأخرى لابد أن تراعي خصوصيات محددة تتناغم مع الفعل التعليمي ليكون ذا جدوى وفاعلية. لأن الدورات التكوينية التي هي جزء من هذا البحث، لا يمكن أن تكون عبارة عن إسقاط بيداغوجي يتنكر للفوارق الكبيرة الموجودة بين الكبير و الصغير. كما لا يمكن أن تتنكر للتراكم التاريخي العريض الذي عالج بالنقد والتقويم لكل منهج تعليمي اعتمد مع الإنسان الكبير فواكبته عملية التحليل والتقييم والمقارنة وميزان التناغم والاستجابة لمتطلبات الإنسان الكبير وخصائصه الجسمية والنفسية وظروفه الاجتماعية، ومراعاة الفئة العمرية المحددة التي ينتمي إليها، وكذا الواقع المحلي والفترة الزمنية التي يمر منها واقعه الاجتماعي والثقافي والسياسي…
إن من أهم مبررات هذا البحث تتجلى في السؤال التالي: من يحسم عملية القضاء على الأمية؟ هل تحسمها الهيئات الدولية الداعمة والمشجعة على محو الأمية؟ هل تحسمها جهود الوزارات المتجلية في تأليف مقررات ووضع مناهج وتحديد آليات التتبع والتخطيط الإستراتيجي ووضع المخططات الرباعية والخماسية وفق جدولة زمنية محددة؟ وتجنيد الفرعيات والأطر الإدارية في إطار اللاتمركز؟
أم يحسمها إطار الشراكات مع المقاولات والمجتمع المدني ورفع شعار التنمية والالتحاق بركب الدول السائرة في طريق النمو؟
لا ننكر أهمية التخطيط والرؤية ووضع الاستراتيجيات وفق جدولة زمنية محددة، وتوفير أساليب المواكبة والتتبع الإداري ووضع شبكات رقمية إحصائية وتحديد نسب تسرب محددة، وتقييد أطر فاعلة للإنجاز والتتبع، كل هذا وغيره من الجهود المبذولة لا أحد ينكر أهميتها. إلا أن الجواب عن سؤال من يحسم عملية القضاء على الأمية بكل بساطة وببرودة، فإن العملية تحسم داخل الفصول والأقسام ولا تحسم في أي مكان آخر. أي إن الذي يحسمها هو المكون عندما تتوفر الرغبة وحب التعلم والتعلق به عند المستفيد. ولإزالة الاستغراب لا بد أن نشير إلى أن الكثير من الجهود بذلت سواء من طرف الوزارات أو الجمعيات، و الكثير من الأموال أنفقت دون أن يكون ثمة إنجاز يسمى القضاء الفعلي على الأمية أو أن الأقسام المسجلة في هذا الموسم أو ذاك قد استفادت من البرنامج وقد تم القضاء نهائيا على أميتها وصارت من المتعلمين الذين يستطيعون المواكبة والتتبع وقراءة الجرائد والتعامل المباشر مع المؤسسات والإدارات ومباشرة التواصل الشفهي والكتابي مع الأهل والأصدقاء ومع الهيئات والإدارات. والمساهمة في مزيد من الإنتاج والمرد ودية في المقاولات ومؤسسات الإنتاج.
فمهما كانت البرامج من الدقة ومراعاة المخاطب، ومهما كانت علميتها وواقعيتها. فإنها لا تساوي شيئا أمام مكون يحترف الجهل بالآليات والوسائل المعتمدة في عملية تعليم الكبار.
فإذا كان المكون هو الرقم الصعب في معادلة محو الأمية. فإنه لن يكون قادرا على أي إنجاز دون تكوينه ومده بالآليات والوسائل الديداكتيكية اللازمة، ودعمه بتقنيات فعالة ومجدية في إيصال المعلومة من خلال مواقف عملية ميدانية وفي قالب مفاهيمي يمس المستفيد.
فلن يتأتى هذا التأهيل، الذي هو في آخر المطاف الآلية الأكثر إجبارية للإنجاز الفعلي لبرامج محو الأمية، دون عقد دورات تكوينية تأهيلية تواصلية تذكي فيه الكفاءة والنضج والوعي ببرامج محو الأمية، ومناهج القضاء عليها، وطرق تنزيلها مع مراعاة خصوصيات المستهدفين بالعملية التعليمية وبعلم بالمهام المنوطة بهذا المكون. وهذا ما سنحاول معالجته داخل هذا البحث إن شاء الله.
التكوين الأندراغوجي
ما هو التكوين الأندراغوجي؟
لعل الوعاء الذي يحتضن الفعل التكويني وعمليات التأهيل هو "الدورات التكوينية " –عموما- ويمكن أن نظيف إليها تلك اللقاءات التواصلية التي عادة ما تقع بين المشرفين التربويين والمكونين أثناء زيارتهم لأقسام محو الأمية لما تعرفه من توجيه وتأطير سريع من شأنه أن يعمل على تكوين المكون، ولو كان عبارة عن معالجة سريعة لبعض ما يعانيه من مشاكل في القسم أو معالجة لما يعترضه من صعوبات أثناء العملية التعليمية. كما يمكن اعتبار اللقاءات التواصلية التي تجمع بين المكونين والمشرفين والخبراء في المجال الأندراغوجي. فضلا عن أن من بين أنواع التكوين ما يسمى بالتكوين الذاتي autodidacte والذي يترجم رغبة وعطش المكون في البحث والمطالعة والتتبع لكل ما يمت بصلة إلى المجال الذي يعمل فيه دون الاكتفاء بدورات تكوينية موسمية أو سنوية .
وبذلك يصير التكوين هو عبارة عن فعل تعلمي تفاعلي بين المكون والمادة التكوينية وأحيانا بحضور مؤطر أو مؤطرين من خلال مادة التكوين. ولهذا فإن للتكوين خاصيتين ضروريتين هما خاصية الشمولية أي التكوين من خلال كل ما له علاقة بالمجال الأندراغوجي كما سنبين في هذا البحث. وخاصية الاستمرارية والتي تعني عدم التوقف عن التكوين ومعرفة المستجدات والتطورات التي تعرفها المناهج التعليمية والتي كانت كذلك خاضعة للتقويم والتعديل منذ القرن الثامن عشر.
لماذا إلزامية التكوين؟
لقد سبق وأشرت في مقدمة هذا البحث إلى أن الذي يحسم عملية إنجاز المشروع مشروع القضاء على الأمية هو المكون. وبما أن الأمر كذلك، فإن تكوينه يجب أن يكون ضربة لازب لصيقة بوجوده في القسم وما دام مصرا على المضي في درب النضال ضد العدو " الجهل" وتحرير الأمة من عقاله لتنطلق قدما نحو مزيد من الإنتاج ومزيد من مواكبة الركب الحضاري كمحاولة لإرجاع ما ضاع من مجد لهذه الأمة.
وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه، فإن المكون لن يستطيع تحقيق ما نريده منه إن لم تكن له دراية بمناهج التعليم وعلم بوسائله وآلياته، وكذا معرفة بخصائص هذه الفئة العمرية التي يستهدف تكوينها وتعليمها وبالتالي تحريرها من قيود الجهل والأمية.
وعليه، نستطيع الجزم بأن الحصول على مثل هذا الزاد المعرفي و الدراية بالمناهج والوسائل وطرق التدريس…تحتاج إلى تكوين ولعل أفضل أنواع المجالات المتوفرة والمعمول بها الآن هي الدورات التكوينية.
فما هي إذن الدورات التكوينية التي نريد؟ وما هي مواصفات أطر ومؤ طري هذه الدورات ؟ و أي فلسفة تكوينية يجب أن تعتمد عليها هذه الدورات؟ وبالتالي ما هي كيفية إعداد برامج هذه الدورات الفعالة التي نزعم الحديث عنها؟
ا- قراءة تشخيصية في واقع الدورات التكوينية
1- الدورات التكوينية في الأندراغوجيا بأسلوب بيداغوجي.
ربما نجد شيئا من العذر عندما يتصدى للتأطير مفتشو تعليم ابتدائي أو ثانوي لدورات في الأندراغوجيا. وعذرهم أن حدود علمهم لا تتجاوز الفهم بأن أي مسألة تعليمية وفعل تكويني هو خاضع لا محالة لما تلقوه من تكوين في المعاهد، أو أن كل فعل يتم داخل الأقسام فهو حتما خاضع لنفس ما يخضع له أقسام التعليم البيداغوجي الابتدائي والأساسي والثانوي. ولذلك لا نستغرب رؤية أحد الأساتذة وهو يقوم بتوظيف الأقراص والعجينة أثناء ورشة حول كيفية وضع جذاذة نمطية في مادة القراءة والكتابة أثناء دورة تكوينية تروم تأهيل مكونين في محو الأمية وتعليم الكبار.
وبعد مدة لا بأس بها من التراكم تبين أن ثمة اختلافا بينا بين المجالين وبالتالي بين العلمين. وبدأت التجارب تفسح المجال للمقاربة بين الصغير والكبير، بين المقرر الدراسي هنا والمقرر الدراسي هناك. بين الوسائل المعتمدة هنا والوسائل الم
























